دكتور بولاد: “سوف نبقى هنا”.. داخل مستشفى الحريري

يكثر الحديث عن أبطال مستشفى رفيق الحريري الجامعي الحكومي. منقذو أرواح، مدعاة للأمل والتمسّك بالحياة. لازموا مراكز عملهم ولو أنّ الهرب خيار لهم. متطوّعون ومتطوّعات، متدرّجون ومتدرّجات، بقوا في المشفى رغم ما يأتيه من بلاء وموت محدق باسم فيروس كورونا. وبين هؤلاء الأبطال، من أطلّ على اللبنانيين بالغناء. في الفيديوهات المنتشرة حول العالم، ظهر ممرضون وممرضات يحاولون رفع المعنويات من خلال الرقص وإشارات النصر. ومنهم أيضاً من بكوا وتوسّلوا وأعربوا عن يأسهم مما يشهدونه يومياً من عذابات أرواح، وعجز طبيعي تجاه حالات صحية صعبة. تنوّع المضمون وكذلك التفاعل، من الصين إلى إيطاليا وكوريا وإيران وغيرها من البلدان. من بيروت، قرّر الدكتور محمد بولاد أن يطلّ مغنياً، إلى جانب إحدى زميلاته. بطلان حقيقيان، من بين كثر في مستشفى الحريري وغيره من المستشفيات. غنّى “سوف نبقى هنا”، فكبسنا على الزرّ أمامنا واستدارت بنا كراسينا الحمراء، ورحبّنا بالبطل. كأننا في برنامج مسابقات هواة الغناء. فرض المغني نفسه علينا، ونحن لا نملك أساساً إلا خيار الترحيب به وبما يفعله من أجل مرضانا.   

سوف نبقى هنا
أنشودة تحوّلت إلى ملهبة للمشاعر الوطنية، والدينية طبعاً. فكلمات القصيدة كتبتها الشاعرة أمينة قطب، أخت سيّد قطب، وزوجة الداعية كمال السنانيري الذي تزوّجته في سجنه وقد بقي فيه قرابة 20 عاماً. فكتبت له في سجنه تحيّي صموده، هي التي لا تعرفه إلا من خلال زيارات وراء القضبان. ومن بين ما كتبته “سوف نبقى هنا”، ساعية وراء الأمل ومستقبل آت. بعد خروجه، عاد السنانيري واعتقل وقتل تحت التعذيب، فرثته بمجموعة من القصائد، من ضمنها “هل ترانا نلتقي”. اختار بولاد مقطعاً من القصيدة وغنّاه، بما يحمله من مضمون مباشر. “فلنقم كلنا… للدواء والقلم، كلنا عطف على… من يصارع السقم، ولنواصل المسير… نحو غاية أهمّ، ونكون حقاً… خير أمة بين الأمم”. صامدون في المعركة. 

دكتور بولاد
عمره 29 عاماً، مجاز في الطب العام، وفي سنته التخصصية الأولى في طب الطوارئ في جامعة بيروت العربية. يتخصّص في مستشفى رفيق الحريري الجامعي الحكومي. يقول الدكتور محمد بولاد، المتدرّب المستمر في عمله في مشفى كورونا في لبنان، إنّه سيبقى هنا. هو وكل “العاملين في المستشفى، من أطباء ومتدربين وعمال وموظفين”. مستمرون في عملهم الصعب على الرغم من الكارثة. يؤكد أنه لا يرى “أن ثمة داعٍ لنترك العمل، وإذا قررنا الرحيل من يتسلّم المسؤولية”؟ لذا يشدد على أنّ الجميع “باقون ومستمرون، في مستشفى الحريري وفي أي مكان يحتاج إلينا. هذا أمر ينطبق علينا جميعاً، ونحن باقون لمعالجة المرضى وشفائهم، هنا وفي أي مشفى آخر”. تعبير عن إرادة صلبة، من بولاد. اسم على مسمّى.

لا خيار ثالث
مطرب مستشفى رفيق الحريري يعمل دوام 12 ساعة يومياً. يتنقّل بين طوارئ المشفى وغرف عزل المصابين بالفيروس. في الطوارئ هو على احتكاك مع كل المرضى، بما فيهم من يأتي وهو يحمل عوارض كورونا. فيجري تحويله على قسم طوارئ آخر مخصص للمشكوك بإصابتهم. بغضون أيام، تلقى فريق المشفى تمارين وتدريبات خاصة للتعامل مع الوباء، أشرف على تنظيمها مسؤولو أقسام وأطباء من المشفى نفسه. يختفون وراء كمّاماتهم وثياب العزل ويقومون بعملهم من دون خوف. “نتّبع الإجراءات والإرشادات، ونقوم بعملنا”. ما يقارب 20 متدرباً ومتدربة مستمرون في العمل. يحاولون التخصص.. فأتاهم كورونا. امتحان حياة وموت، فيه ما يكفي من جدية ولا خيار ثالث فيه. يأتيهم مئات الزوّار-المرضى يومياً، “والكثير من الحالات تأتي للاطمئنان فقط، وأغلبها من دون عوارض”. يؤكد أنّ نسبة الهلع بين الناس تزيد مع الوقت، لكن “نحاول قدر الإمكان التعامل معها بمسؤولية واطمئنان”. الجسم الطبي مرهق ويعاني من ضغوط متعدّدة، إلا أنه صامد ومستمر حتى اللحظة في حربه. 

حرب الجبهات
في الخارج، يخاف الجميع ممن هم في مستشفى بيروت. بالنسبة للعالم الخارجي، هذا مشفى أشبه ببؤرة لمعالجة كورونا والكفاح من أجل المصابين بالفيروس. جميع من في هذه البؤرة مرشّحون محتملون لنقل العدوى. المصابون حتماً، وكذلك الذين يعملون على علاجهم. هم على تماس مباشر مع الفيروس، على الجبهة الأمامية للمعركة. ينتقلون من سرير إلى آخر، كمن ينتقل بين المحاور. ينسحبون من متراس إلى آخر. لا هدنات ولا وقف لإطلاق النار في هذه الحرب، بل معارك مستمرة على الدوام. إذ أنّ الانسحاب يعني الاستسلام للمرض. الفيروس غزى المرضى، وعمليات دحر العدو من أجسادهم قائمة. تغيّر الكثير على دكتور بولاد، وربما الكثيرين من زملائه في مستشفى الحريري. “لا أخفي أنّ الأهل خائفون علينا، وثمة من يهابوننا في الخارج”، يقول بولاد. في الخارج “نحن كأطباء، من تلقاء نفسنا، نحاول اختصار حياتنا الاجتماعية، نلقي السلام من بعيد ونقلّل من التواصل المباشر”. ضباط الخط الأمامي يشكّلون هاجساً للعالم الخارجي.

بعد أيام على التثبّت من إصابة الحالة الأولى بفيروس كورونا في مستشفى الحريري، كان بولاد يجلس في مقهى اعتاد على الدراسة فيه. الجميع يعرفونه هناك ويعرفون مكان عمله. أنهى واجباته وترك المقهى “فقام العاملون فيه بتعقيم المكان، عزّلوا المقهى بسببي وقالوا لي إني عملت لهم قلق”. هكذا يتعامل عالمنا الخارجي مع أبطال الصف الأمامي. ليسوا ضباطاً يُنثر الأرز عليهم، بل حاملون مرجّحون للفيروس. أبطال، لكن عن بُعد. أما بولاد ومن معه فيؤكدون “سوف نبقى هنا.. كي يزول الألم، سوف نحيا هنا.. سوف يحلو النغم”. يحمل بولاد والفريق الطبي في المشفى وكل المشافي الأخرى رسالة واحدة “على الناس ملازمة منازلها، هذا الحل الوحيد أمامنا”. بمعنى آخر لازموا أماكنكم واتركوا الجبهة لهم. على خط النار… شباب ثوار، سوف نبقى هنا. 

 

المدن

وسوم :
مواضيع متعلقة